الحاجز النفسي:

 

        لكن الواقع غير ذلك ، فهناك حاجز نفسي قائم بين الناس في المجتمع بصفة عامة وبين مرضى النفس بل يمتد ليشمل كل ما يتعلق بهم من العيادات والمستشفيات النفسية، وحتى الأطباء النفسيين، وكل ما يتعلق بالطب النفسي بصفة عامة، ويسهم هذا الحاجز النفسي في إيجاد اتجاه سلبي نحو الطب النفسي يسبب عزوف الناس وترددهم في التعامل مع الجهات التي تقدم الخدمات النفسية، ويمكن لنا ملاحظة ذلك بوضوح من خلال عملنا بالطب النفسي حيث يحاول المريض وأهله الابتعاد عن العيادات والمستشفيات النفسية بالذهاب إلى المعالجين الشعبيين والدجالين، ويؤدي ذلك إلى ضياع الوقت وتفاقم الحالة، ولا يصبح هناك مفر من استشارة الطبيب النفسي،  وعند ذلك فقط يحضرون رغماً عنهم إلى العيادات النفسية.

 

        والغريب أن الحاجز النفسي الذي تحدثنا عنه بين الناس والطب النفسي لا يقتصر وجوده علي عامة الناس بل يمتد أيضا ليشمل فئات يفترض أن تكون اكثر فهما لدور الطب النفسي في علاج الأمراض النفسية بالطرق الحديثة ، فقد أثبتت دراسات علي طلبة كليات الطب انهم لا يفضلون التخصص في هذا المجال بل وينظرون إليه علي انه اقل شأناً من تخصصات الطب الأخرى كالجراحة والطب الباطني وطب الأطفال ، ليس ذلك فحسب بل إن الأطباء من تخصصات الطب المختلفة كثيراً ما يكون لديهم فكرة خاطئة وغير دقيقة عن مجال الطب النفسي مما يدفعهم إلى عدم التعاون مع الأطباء النفسيين وعدم فهم أساليب تشخيص وعلاج المرضي النفسيين بل إن بعض الأطباء من تخصصات الطب الأخرى كثيراً ما يتجنبون التعامل مع آي مريض نفسي حيث يعتقد البعض منهم أن مرضى النفس هم مصدر خطر محقق علي كل من يقترب منهم، وهذه النظرة تفتقد إلى الموضوعية بدليل أننا كأطباء نفسيين نتعامل مع كل حالات الاضطرابات النفسية والعقلية بسلاسة بالغة في كل الحالات.

 

خدعوك فقالوا .. !

        نعم هناك الكثير من المعتقدات الخاطئة تحيط بالطب النفسي، والمرضي العقليين، والأمراض النفسية بصفة عامة، وهذه المعتقدات قد تصل أحياناً إلى مستوى الخرافة لكنها تجد من يصدقها، فهل تصدق أن هناك من يعتقد بأن الأمراض العقلية تنتقل من شخص إلى آخر عن طريق العدوى مثل الأنفلونزا ! بل إنهم يبالغون في ذلك فيؤكدون أن الابتعاد عن المجانين احتياط ضروري لمنع انتقال المرض، لقد أثار ذلك اهتمامي بصفة خاصة لأن بعض الناس وجه إلى في بعض المناسبات سؤالا طريفاً لا اعلم إن كان علي سبيل المزاح أم أنها فكرة جادة، لقد سئلت ما إذا كان الطبيب النفسي يتأثر بعد حين فتنتقل إليه بعض الصفات من مرضاه بحكم طول المخالطة ؟ لقد أضحكني هذا التساؤل لكنني لاحظت أن محدثي ينظر إلى بتركيز شديد ، لقد كانت نظراته ذات مغزى فقد كان يبحث عن إجابة لسؤاله !!

 

        أما المعتقدات الخاطئة حول المرضي النفسيين فهي كثيرة ومتنوعة، ولعل الغموض الذي يحيط ببعض الموضوعات والظواهر النفسية هو الدافع إلى نسج الخيال حول أسباب المرض النفسي والقوى الخفية التي يمكن أن تكون وراءه، فمن قائل بأن مس الجن أو دخول الشياطين إلى جسد الإنسان هو الذي يصيبه بالخلل العقلي ويؤثر في اتزانه فيقلب كل موازينه رأسا علي عقب، وكثيرا ما يخبرنا المرضي أهلهم عن واقعة ما بدأت بعدها علامات المرض النفسي في الظهور مثل السقوط في مكان مظلم أو الفزع من موقف محدد، أو مشاهدة كلب أسود!

 

        وكثيرا ما يرجع المريض وأهله كل ما أصابه إلى عين الحسود بل قد يحدد مصدر هذه العين وصاحبها ويظل أسيرا لهذه الفكرة فلا يستجيب لأي علاج أو يسيطر علي الشخص أنه ضحية لعمل من السحر ولن يشفي من مرضه النفسي حتى يتم فك هذا العمل بواسطة مختصين وليس عن طريق الطب النفسي ، إن علينا كأطباء نفسيين أن نستمع إلى كل ذلك وأن نحاول تصحيح المفاهيم والمعتقدات بالإقناع وبأسلوب هادئ.

1 - 2 - 3 - 4

الصفحة الرئيسية